أحمد بن محمد مسكويه الرازي
248
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
الرخاء فينبغي أن تلقاه بالوجه الطلق والخلق الرحب ، وان تظهر له في عينك وحركاتك وفي هشاشتك وارتياحك ، عند مشاهدته ايّاك ، ما يزداد به في كلّ يوم وكلّ حال ثقة بمودتك وسكونا إلى غيبك ، ويرى السرور في جميع أعضائك التي يظهر السرور فيها إذا لقيك ، فإن التحفي « 1 » الشديد عند طلعة الصديق لا يخفي ، وسرور الشكل بالشكل أمر غير مشكل ، ثم ينبغي أن تفعل مثل ذلك بمن تعلم أنه يؤثّره ويحبّه من صديق أو ولد أو تابع أو حاشية ، وتثني عليهم من غير إسراف يخرج بك إلى الملق « 2 » الذي يمقتك عليه ، ويظهر له منك تكلف فيه ، وانما يتمّ لك ذلك إذا توخّيت الصدق في كل ما تثني به عليه . والزم هذه الطريقة حتى لا يقع منك توان فيها بوجه من الوجوه وفي حال من الأحوال ، فان ذلك يجلب المحبة الخالصة ويكسب الثقة التامّة ، ويفيدك محبة الغرباء ومن لا معرفة لك به . وكما أن الحمام إذا ألف بيوتنا وأنس لمجالسنا وطاف بها يجلب لنا أشكاله وأمثاله ، « 3 » فكذلك حال الانسان إذا عرفنا واختلط بنا اختلاط الراغب فينا الآنس بنا ، بل يزيد على الحيوان غير الناطق بحسن الوصف وجميل الثناء ونشر المحاسن . واعلم أن مشاركة الصديق في السّراء إذا كنت فيها وان كانت واجبة عليك حتى لا تستأثرها ولا تختصّ بشيء منها ، فان مشاركته في الضرّاء أوجب وموقعها عنده أعظم . وانظر عند ذلك ان أصابته نكبة أو لحقته مصيبة أو عثر به الدهر ، كيف تكون
--> ( 1 ) . التحفي : المبالغة في اكرام الصديق وملاطفته . ( 2 ) . الملق بالتحريك : الود واللطف الشديدان ، حيث يخرج عن المدح والثناء ويصل إلى حالة التملّق . ( 3 ) . كما هو المثل المشهور : الطيور تقع على أشكالها .